العودة للخلف

المواضع التي يستحب الوضوء فيها - منظومة العراقي مع الشرح

تاريخ النشر: 13 / 09 / 2026
: 4

مُقَدمَّة التَّحقيق

الحمدُ لله ب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فإنَّ العلمَ والتفقُّه في دين الله تعالى هو مناط الخيرية، كما قال ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقِّهه في الدِّين»، متفق عليه.

وإنَّ أشرف العلوم علم التوحيد، وأنفع العلوم علم أحكام أفعال العبيد، ويُعنى به الفقه وما تفرّع منه.

وقد كثُرت تصانيف العلماء المطوَّلة والمختصرة، والمنظومة والمنثورة، في الفروع الفقهية، في سائر أبواب الفقه، وتأتي هذه الرسالة في «المواضع التي قيل باستحباب الوضوء فيها» ضمن تلك الجهود الضخمة الطيبة لعلمائنا رحمهم الله في تقريب العلم للناس، فجزاهم الله خيرًا.

والوضوء من أجلِّ العبادات، وأعظم الطاعات، قال ﷺ: «الطهور شطر الإيمان» أخرجه مسلم.

وأخرج أحمد وابن حبان من حديث ثوبان رضي الله عنه  أن النبي ﷺ قال: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن».

ولهذا كان من أعظم ما يميِّز المؤمنين يوم القيامة كما قال ﷺ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ» متفق عليه.

وهو من أعظم المكفِّرات، وأسباب رفع الدرجات عند رب الأرض والسَّموات، كما قال ﷺ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قالوا بلى يا رسول الله قال: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه .

وأخرجَ أيضًا في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه  أن النبي   قال: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ المُسْلِمُ - أَوِ المُؤْمِنُ - فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ المَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ -، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ -، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ المَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ - حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ».

ولهذا يحبُّه الله ويحبُّ أهله، كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة/222]، وقال سبحانه: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة:108].

ومما صح في فضله ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه  قال: كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي فروحتها بعشي فأدركت رسول الله ﷺ قائما يحدث الناس فأدركت من قوله: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» قال فقلت: ما أجود هذه فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود فنظرت فإذا عمر قال: إني قد رأيتك جئت آنفا، قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغُ - الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ».

وفضائل الوضوء كثيرة في الكتاب والسنة.

وبين أيدينا رسالة: «في المواضع التي قيل باستحباب الوضوء فيها»، وتأتي أهمية هذه الرسالة من أهمية موضوعها مِن جهة، ومِن مكانة كاتبها ومكنتهِ العلميَّة من جهة أخرى.

ويظهر أنَّ شرح ابن الناظم لهذه المنظومة كان في حياة والده الحافظ العراقي رحمه الله  كما يُرشد إليه قوله في مستهل شرحه: «فقد وقفتُ لسيِّدي ووالدي ـ أبقاه الله ـ على نظمٍ جمعَ فيه الصور التي قيل باستحباب الوضوء فيها...».

وقد حرصتُ على:

- عدم تضخيم الرسالة، وإثقالها بالحواشي.

- فعرَّفتُ بالناظم، والشارح، والأعلام المذكورين في الشرح باختصار.

- وخرَّجتُ ما فيها من الأحاديث.

- وأشرْتُ إلى ما لم يذْكرهُ.

- وعلَّقتُ بإشارات إلى الصَّواب في كلِّ صورة.

- وأضفتُ الإحالات إلى مراجعها.

والله الموفق، وهو المسئول أن يتقبَّل منا أعمالنا، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم، والحمد لله رب العالمين.

كتبه

أبو محمد عبدُالله بن أحمد بن لَـمْــح الخولانـــي

مكتبة دار الحديث/ دماج / مستهل شعبان سنة (1430 هـ).

 

 

 

 

 

تمهيد وتلخيص لما احتوته المنظومة وشرحها

لا يخلو الوضوء إما أن يكون واجبًا أو مستحبَّا، فيجب في حالاتٍ، ويستحبُّ في مواضع. وهذه الرسالة المختصرة احتوت على القسم الثاني، أي: المواضع التي يستحب الوضوء فيها، ولو على قول.

وقد ذكر المصنِّف: أربعين موضعًا!، كلّها قد قيل إنَّه يُستحبُّ الوضوء فيها.

وقسّمها إلى قسْمين:

- عشرين منها يستحب الوضوء عند إرادة فعلها.

- والبقيَّة يُندب له بعد وقوعها منه.

وإنما بلغ الشَّارح إلى هذا القدر من العدد: لأنه فصَّل في مقام الإجمال، فمثلًا: ذكر أنَّه يستحبُّ الوضوء: للغيبة، والنميمة، والفحش، والكذب، والقذف، وقول الزور، وعدَّ كلًّا من هؤلاء موضعًا يستحبُّ الوضوء عقِبَه. بينما عند الإجمال سينقُص العدد عن القدر المذكور، وقد اعترف الشارح بأنَّه يُمكن إجمال بعض ما فصَّل فيه، فقال -في الصُّور السَّابقة-: «ويُحتمل عدّها صورة واحدة لاندراجها تحت «الكلام القبيح».

وقد ذكر الشارح في مقدِّمة شرحه أنه سيذكر الأدلة، ثمَّ لم يذكُر إلَّا حديثين!، دلّل بالأول على الصُّورة السَّادسة، وبالثاني على الصُّورة السَّادسة عشرة، وإنما ذكرهما لأنَّه لم يجد مَن صرَّح باستحباب الوضوء في هاتين الصُّورتين، وقد شرَطَ على نفسه أنَّه إنْ لم يجد من صرَّح بالاستحباب في الصُّورة المعيَّنة أنْ يذكرَ مستند ذلك من الخبر، فالشَّارح كان أكبر مقصوده ذِكْر مَن نصَّ على الاستحباب، ولم يعرِّج على ذِكْر الأدلَّة، نعم أشارَ إلى أدلة : استحباب الوضوء للجنب إذا أراد الأكل أو الشرب أو النوم أو العود، بقوله: «ووردت به الأحاديث»، وقد حرصتُ أنَا على تتميم ذلك، والله الموفّق.

حاصل ما ذكره المؤلف من الصُّور

ما ذكره المصنف من الحالات التي يُستحبُّ الوضوء لها، لا يخلو من ثلاثة أقسام:

القسم الأول: ما هو صحيح، لدلالة الأدلة الصحيحة عليه.

الثانـي: ما هو ضعيف، لضعف الأدلة التي تدل عليه.

الثالث: ما هو مبني على الاحتياط، للخروج من الخلاف، وهذا الباب -أعني باب الاحتياط- محل بحث وتفصيل.

نسبة الرسالة للمؤلف

جاءت المنظومة منسوبة للناظم، والشرح للشارح في أول المخطوط.

وفي «كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون» (2/1867):

(منظومة: في الوضوء المستحب، وهي: أربعون وضوءًا). نظمها: الشيخ، زين الدين: عبد الرحيم بن حسين العراقي. ثم شرحها: ولده، القاضي، ولي الدين: أحمد، أبو زرعة.  أوَّله: (أما بعد، حمد الله ... الخ).

وجاءت منسوبة إليه أيضًا في : «هدية العارفين» (1/ 562).

 

ترجمة الناظم

* الحافظ الكبير أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، العراقي الأصل، الشافعي.

* ولد في جمادى الأولى سنة (725 هـ).

* قدم القاهرة وهو صغير، وعني بالحديث فبرع فيه، وتقدَّم بحيث كان يبالغ حفاظ عصره في الثناء عليه بالمعرفة، والإتقان.

* أخذ عن مشائخ كثير، ورحل مرات، إلى دمشق، وحلب، والحجاز، وغيرها.

* له تصانيف كثيرة جليلة، منها: «تخريج أحاديث الإحياء»، و«الألفية» و«شرحها»، و«التقييد والإيضاح»، وكمّل «شرح الترمذي»، و«متن في أحاديث الأحكام»، وشرَح بعضَه وهو «طرح التثريب»، وغيرها كثير.

* كان صالحًا متواضعا، ضيِّق المعيشة، طارحًا للتكلّف، سليم الصدر، كثير القيام والتلاوة، قال ابن حجر رحمه الله: «لم نر في هذا الفنّ أتقن منه، وعليه تخرّج غالب أهل عصره».

* توفي في شعبان سنة (806 هـ)، وله (81) سنة، رحمه الله رحمة واسعة([1]).

ترجمة الشارح

* الحافظ الفقيه، الأصولي، وليّ الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين العراقي، ابن الناظم، ولد في ذي الحجة سنة (762 هـ).

* تخرّج بوالده، ثمَّ تفنّن في العلوم الشرعية، ورحل إلى بلدان شتى، وسمع من مشائخ كثير، ولازم البلقيني في الفقه وغيره، وأخذ عن الأبناسي، وابن الملقن، وولي القضاء بعد البلقيني بمصر.

* قال ابن حجر: «وكان من خير أهل عصره بشاشة وصلابة في الحكم وقيامًا في الحق وطلاقة وجه، وحسن خُلُق، وطيب عِشْرة».

وقال السيوطي: «برع في الفنون، وكان إمامًا محدّثا حافظًا فقيها أصوليًّا محقِّقا صالحًا».

* صنَّف تصانيف نافعة، منها: «شرح سنن أبي داود» ولم يتم، وشرح «جمع الجوامع»، و«شرح البهجة»، وأكمل «طرح التثريب»، و«المهمات»، وأملى أكثر من ستمائة مجلس، وله رسائل وأبحاث كثيرة منها هذه التي بين يديك([2]).

* توفي في شعبان سنة (826 هـ)([3]).

نماذج من المخطوط ([4])

نصُّ أَبْيَاتِ المنْظُوْمَة

وَيُنْدَبُ لِلْمَرْءِ الوُضُوءُ فَخُذْ، لدى


 

مَوَاضِعَ تَأْتِي وَهْيَ ذَاتُ تَعَدُّدِ

قِرَاءَةُ قُرْآنٍ سَمَاعُ رِوَايَةٍ

 

وَدَرْسٌ لِعِلْمٍ وَالدُّخُوْلُ لِمَسْجِدِ

وَذِكْرٌ وَسَعْيٌ مَعْ وُقُوْفِ مُعَرِّفٍ

 

زِيَارَةُ خَيْرِ العَالمَيْنَ مُحَمَّدِ

وَبَعْضُهُمُ عَدَّ القُبُوْرَ جَمِيْعَهَا
 

 

وَخُطْبَةُ غَيْرِ الجُمْعَةِ اضْمُمْ لِمَا بُدِيْ

وَنَوْمٌ وَتَأْذِيْنٌ وَغُسْلُ جَنَابَةٍ

 

إِقَامَةُ أَيْضًا، والعِيَادَةُ فَاعدُدِ

وَإِنْ جُنُبٌ يَخْتَارُ أَكْلًا وَنَوْمَةً

 

وَشُرْبًا وَعَوْدًا لِلجِمَاعِ المجَدَّدِ

وَمِنْ بَعْدِ فَصْدٍ أَوْ حِجَامَةِ حَاجِمِ
 

 

وَقَيْءٍ وَحَمْلِ المَيْتِ وَالَّلمْسِ بِاليَدِ

لَهُ أَوْ لخُنْثَى، أَوْ لِلَمْسٍ لِفَرْجِهِ

 

وَمَسٍّ وَلمْسٍ فِيْهِ خُلْفٌ كَأمْرَدِ
 

وَأَكْلُ جَزُوْرٍ، غِيْبَةٌ، وَنَمِيْمَةٌ
 

 

وَفُحْشٌ وَقَذْفٌ، قَوْلُ زُوْرٍ مُجَرَّدِ

وَقَهْقَهَةٌ تَأْتِي المصَلِّي وَقَصُّنَا

 

لِشَارِبِنَا والْكَذْبُ وَالغَضَبُ الرَّدِي

 



([1])  «إنباء الغمر» (5/170)، و«ذيل طبقات الحفاظ» (5/372)، «حسن المحاضرة» (1/307)، و«شذرات الذهب» (9/87).

([2])  وقد ذكرها البغدادي في «هدية العارفين» (5/123) في ترجمة أبي زرعة العراقي فقال وهو يعدّ مؤلفاته: «شرح منظومة الوضوء» لوالده.

([3])  «إنباء الغمر» (8/21)، و«ذيل طبقات الحفاظ» (5/375)، و«حسن المحاضرة» (1/ 309)، و«شذرات الذهب» (9/251)، و«الضوء اللامع» (1/336) وقد أطال ترجمته السخاوي.

([4]) حصلت عليه من مكتبة: جامعة الملك سعود، تقع في ورقتين، وخطها جيد ومقروء. جاء على طرة المخطوط: هذا شرح منظومة الشيخ زين الملة والدين العراقي في: «الصور التي قيل باستحباب الوضوء فيها»، لابن الناظم؛ الشيخ ولي الدين العراقي تغمدهما الله برحمته، وأسكنهما فسيح جنته، ونفعنا بعلومهما، آمين.

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم النسخ بنجاح